Let’s travel together.

قصص حقيقة : قصة غربة الألم(الجزء الثالث والأخير)

1 259

مرحبا بكم زوار موقعنا قصص وحكايات نتمنى أن تكونوا فى كامل الصحة والعافية ، كما عودناكم نقدم لكم دائما قصص حقيقة جميلة ومفيدة نتعلم منها الدروس والعبر .و من خلال السطور القليلة القادمة سوف نحكي بإيجاز عن قصة غربة الألم الجزء الثالث والأخير.

بقلم : د. رهاب الفكري

قصص حقيقة : قصة غربة الألم(الجزء الثالث و الأخير)

لم تترك أمي لأبي خيارات متعددة، فقد قامت بحجز تذاكر عودة لثلاث أفراد بعد شهر من تاريخ وصولنا حتى يتمكن أبي من إنهاء جميع إجراءات استقالته العاجلة والتخلص من زوائد حياته في البلد الآخر حتى يرجع معنا بشكل حاسم ونهائي.

يوسف: أبي، ماذا تنتوي أن تفعل إزاء سلوى؟
حمدي: سأطلقها يا بنيّ. لكنني أنتظر أن أحصل على مكافأة نهاية الخدمة من العمل لأسدد لها مؤخر صداقها فهو أكبر من قدرتي على سداده الآن
يوسف: ألا ترى يا أبي أن هذه المرأة قامت باستغلالك مادياً.. كيف توافق على هذا المؤخر بخلاف ما أنفقته عليها.. أين كان عقلك المتزن يا أبي
حمدي: من منكم لم يفعل يا يوسف؟ أنت أم اخوتك أم والدتك التي تحاسبني الآن لم يستغلني مادياً؟ على الأقل هي استغلتني بمقابل منحته إياي، القليل من الدلال والاهتمام وإسباغ الحنان على أيامي الجافة المتشققة. أما أنتم فبأي مقابل تستنزفون عمري وجهدي سوى أن الله أمرني بذلك؟
هل فكرت يوماً أن تزورني أنت أو أحد من إخوتك للاطمئنان علي وتبديد وحدتي التي بدت لي لا نهاية لها؟ هل استشعرت غيابي عنكم حين كنتُ اصارع الموت وحدي ولم أجد سوى سلوى التي تقف بجانبي.


كنتُ أتمنى أن اراك بجانبي أو أحد من إخوتك لكن كل منكم قد آثر حياته الخاصة عني، حينها فقط شعرت الا قيمة لحياتي، لو كانت لحقت بي منيتي لما عرف أحدهم إلا بعد تعفنت جثتي.. لا تحدثني عن العدل!
لم تسأل عني إلا حين استشعرت أن البئر سينضب في غير موضع تصب فيه مصلحتك. هل هاتفتني يوماً لتخبرني كم اشتقت لي، لتستشيرني في أحد أمورك كأب، لم تفعل إلا لطلب إمداد مادي لك أو لإخوتك.
أنتم نفيتموني من حياتكم ، كل ما يربطني بكم هو المال، وانا لم أبخل عليكم به، فما الذي يضير أن أرى أنا حياتي التي لم تعد تهم أحد منكم حتى زوجتي التي أبت أن تضحي بالقليل من وقتها من أجل ان تحافظ على زوجها. جاءت تحاكمني الآن، تحاكمني أنت وإياها أنني أردتُ أن أحيا ولو لسنوات قليلة تبقت من عمري الذي وهبتكم جله؟! لا تنصب نفسك الآن قاضياً عليّ يا يوسف وتنسى أنني أنا من صنعتك بعمري الذي تضن ببقيته عليّ من أجل مصلحتك.


لقد نسيت أني أب، نسيت أني زوج.. بل نسيت أني رجل!! هل تفهم ما أخبرك به، أم أنك لم تعد تفهم سوى لغة المال يا يوسف؟!
أطرقت برأسي في حزن وأنا أوقن تماماً تمزق أبي بيننا وبين حياته هو ومضيت لا أملك عن نفسي دفاعاً أو وعداً لغدٍ أفضل.
كيف أنصبني قاضياً عليه أنا الذي أنبت من جهده وأصب فيه؟ كيف وأنا لم أحيا معشار ذرة من ألمه ووحدته وإهمالنا له؟
كيف كان يقضي يومه، بل أشهره وسنواته؟ كيف كان يدير شؤون بيته ومطعمه وحياته كلها؟ كيف إن مرض؟ إن احتاج أن يتحدث، يبكي، إن أراد أن يعيش؟!
اكتشفت بغتة أنني لم أفكر في ابي من قبل قط، كنتُ أدعي حبه واشتياقي له واحتياجي لوجوده، لكنني حقاً لم أفكر به من قبل قط، لا أنا ولا أي منا أو حتى أمي التي تحارب على مكانها من حياته الآن، حياته التي لم تعرف عنها شيئا لعشرون عاماً.


هل تحارب من أجل كرامتها، أم من أجل مظهرها في مجتمع مريض سيحاسبها على طلاقها من زوجها بعد عشرون عاما، أم أن الأمر لا يتعدَ خوفها على الممول الرئيسي لحياتها الرغدة؟
حاولت أن أتحدث مع أمي، لربما ألانت جانبها وتركته مع من منحته الاهتمام والحنان ولو كذباً، ما ضير أمي إن تزوج بأخرى إن لم يظلمها؟ أي خسارة تجنيها إن أغدق عليها المال إن كانت لا تعير لحياته اهتماماً منذ البدء؟
لكن أمي كانت صلبة الرأي لا تترك مجالاً للتنازل عن رأيها، حتى أخبرتها أني لا أرى ضرراً من زواج أبي بل وأشجعه عليه وسأقف بكل طاقتي معه حتى تتنازل عن عنادها وإن لم تفعل فسأرحل معها وليظل أبي مع من اختارها ولتفعل ما تفعل.
وللمرة الثانية أدرك أنه ليس من حقي أن أحكم على ألم أحدهم طالما لم أتجرعه من مكانه، كان حديثها منكسراً يقطر دمعاً وضعفاً لم أشهده على أمي من قبل.
أمي: الآن أنت تدافع عنه، تراه مظلوماً وأنا الجاني.. ما رأيك أن نتبادل الأدوار؟ ما قولك إن مكثت مكاني لعشرون عاماً حتى تحكم بما يرتضيه الله؟ بل لثلاثون عاماً.. منذ بداية الحكاية.
تحمل مثلي شظف العيش ثمانية اعوام، وحاول ان تتدبر أمرك وتتذوق ذل الفقر ومرارة الحوجة للناس، ثم حين يهبك الله فرصة للعيش الكريم تجد نفسك أصبحت أماً واباً ومربياً لثلاثة أولاد بكل تفاصيل حياتهم ومشاكلهم ومتطلباتهم. الحياة ليست مالاً فقط، المال يوجهها لكنه لا يشكلها.
إن كان قد ضيع عمره من أجلكم، فقد ضيعه في رخاء الحياة وخلوها من المسؤوليات، لم يذق ثقل همكم وعظم مسؤولياتكم الملقاة على عاتقي. لم أخبره حين مرض أحدكم أو تعثر آخر بالدراسة أو كادت ابنته أن تهوى في بئر الخداع. خشيت أن أحمله همنا في غربته فيشقى أكثر مما يتحمل.
يحاكمني أنه قد تالم حين مرض وحيداً، فأنا لم أكن أمارس الألعاب حينها، ماذا تعرف عن خيبة أخيك التي أورايها؟ ماذا تعرف عن إدمانه المخدرات ومحاولتي علاجه حين سافرت معه؟ ماذا تعرف عن ذاك الشاب الذي كاد يهوى بشقيقتك إلى بئر العار لولا أن لحقت بها؟ أنتم لا تعرفون شيئا وهو كذلك لا يعرف شيئا عن معاركي الخاصة التي أديرها بينما هو يقضي وقته مع امرأة أخرى.
إن كان ذاق الوحدة فقد ذقتها أنا ايضاً دون رجل يحتويني أو زوج يحميني من فتن الحياة. لكنني كنت اتقي الله فيه وفيكم ولم اشأ أن أطلب الطلاق لضرر وقع علي من قبل غربته. فلم الآن تجتنب الحق في الحكم عليّ وتسايره معه؟
يزداد الأمر تعقيداً، أمي أيضاً ترى أنها اضات عمرها من أجلنا، كلاهما محق وكلاهما ينقصه الإنصاف. وأنا تنهشني الحيرة أي السبل أسلك في أمرهما. حتى حان موعد السفر، كان القرار متروكاً لأبي بعد أن هددته أمي برفع دعوى طلاق إن أصر على استمراره في زواجه من سلوى، وأن ينسى أولاده وبيته بالقاهرة فكل ما يملك هناك حقاً ملكاً لها.
طلق أبي سلوى ورضخ لرغبات أمي وأنهى تعاقده وسافر معنا عائداً أخيراً إلى أرض الوطن. عاد أبي، لكنه لم يعد كما عهدته قط، كان الصمت رفيقه أبداً، لا يتدخل في شؤوننا ولا يتساءل عما لا يعرفه، وما أكثره!
شهر مضى على وجود أبي بيننا، لا أحد يشعر به ولا أحد يلتفت لرغباته، كأنه ما جاء يوماً، لم يزد وجوده على مقعد كان شاغراً في الوجبات وامتلأ به. لا نسمع له صوتاً ولا نعرف له حالاً. لا أحد منا يسأل ولا هو يجيب ما لا نسأله.
عاد المرض لزيارة ابي مرة أخرى، قدم للمستشفى وحيداً فقد كنت حينها في المحكمة لقضية عاجلة، وحقاً لا اعلم أين كان أخوي، أو لم لم تصحبه أمي. لكن أبي لم يعد من زيارته تلك. أقلقنا غيابه بعد أن جنى الليل واكتشفنا أن البيت خالٍ منه رغم أنه لا يمثل به فارقاً.
حاولت الاتصال به كان هاتفه مغلقاً، ازداد قلقي لأكتشف أنني حتى لم أسأله أي المستشفيات سيزور لمتابعة حالته. ثم تلقيت اتصالاً من رقم مجهول بعد منتصف الليل من رقم خارج البلاد.
كانت سلوى، تخبرني أن المستشفى بعثت إليها برسالة أن هذا الرجل قد مات بها ولم يجدوا رقماً يهاتفه سوى هذا الرقم طوال الوقت فبعثوا إليها برسالة لتستلم جثمانه أو من ينوب عنها هنا في مصر.
مات أبي، مات دون ضوضاء، كما عاش دون ضوضاء. مات ولم يلتفت إليه أحد ، حتى وهو يحيا بيننا مات وحيداً، لم يعرف أحد كيف كان يتألم.
كان يهاتف سلوى ليشكو لها، لم يجد بيننا أذن تسمع أو قلب يحب أو حضن يتسع!
لم يزد الأمر عن بضع قطرات دموع ربما اصطنعتها أمي أمام المعزين من أصدقاءها وأقاربها. ربما لم يحزن أي من اشقاءي، ربما استراح ياسين بغيابه.
لم يتحمل الحياة بيننا لشهر واحد، حرمناه من حياة هانئة ومن ميتة نحترمها. ربما لو تركناه مع المرأة الأخرى لكان عاش عمراً مديداً. أعرف أنه لم يحبها ولم تفعل هي، لكنها على الأقل جعلته يشعر انه لا يزال حياً
ربما لم أعرف أنا معنى موته حتى الآن كما لم أشعر بقيمة وجوده. لأكثر ما شق صدري، أن أبي مات غريباً كما عاش غريباً طوال عمره، حتى شعوره بالألم كان في غربة، كيف يئن ألماً لأقرب الناس حوله إن كان لا يهمهم حقاً إن كان حياً أو ميتاً.
هل جربت يوماً أن تتألم في غربة؟!

وبهذا نكون قد إنتهينا من الجزء الثالث والأخير لقصة غربة الألم والتي تنتمي الى تصنيف قصص حقيقة

تعليق 1
  1. Royal CBD يقول

    Amazing! This blog looks exactly like my old one! It’s on a completely different topic but
    it has pretty much the same page layout and design. Wonderful
    choice of colors!

    My site – Royal CBD

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.