Let’s travel together.

قصص حقيقة : قصة غربة الألم(الجزء الثاني)

0 145

مرحبا بكم زوار موقعنا قصص وحكايات نتمنى أن تكونوا فى كامل الصحة والعافية ، كما عودناكم نقدم لكم دائما قصص حقيقة جميلة ومفيدة نتعلم منها الدروس والعبر .و من خلال السطور القليلة القادمة سوف نحكي بإيجاز عن قصة غربة الألم الجزء الثاني.

بقلم : د. رهاب الفكري

قصص حقيقة : قصة غربة الألم(الجزء الثاني)

لم أكن صغير السن آنذاك حتى أستشعر تلك الفجوة التي شقت طريقها بسهولة بين والديّ بعد تمسك أمي برفاهية الوطن والإخوة والأولاد وما اعتادت عليه حقاً، لم قد تترك مساحة أمانها من أجل ان تحيا أوقاتاً عجاف وحيدة مع أبي بعد كل هذا الزمن؟

لكن أبي كان قد أنهكه التعب، شاقته الغربة حتى شاخت مقاومته لها، إنما أراد أن يستلهم من قوة أمي ما يدفعه أن يكمل ما بدأه من أجلنا، يستكين قليلاً إلى من يحمل عنه شظف وحدته ولو كذباً. رفض أمي كان صفعة على وجنة تماسك أبي واستبساله في تضحيته من أجلنا.



ثم بدأ كل شئ بعدها يحذو نحو حافة المجهول بثبات مخيف. امتنع أبي عن الحضور في إجازته السنوية التي تلت تلك الأحداث، ربما كنت الوحيد الذي شعر بغصة تعتصر قلبي حين تغيب أبي في تلك السنة، حتى وإن كانت إجازته أقصر من أن تروي اشتياقي له.


لم تتأثر يمنى كثيرا، فقد كان انشغالها بمشروع السنة النهائية لدراستها في كلية الهندسة يلتهم جل وقتها وتفكيرها. وكنتُ على يقين أن ياسين سيكون أكثرنا تاثراً بغياب ابي الشرفي هذا العام، سيكون أكثرنا فرحاً وانطلاقاً وإن كان في حقيقة الأمر وجود أبي لا يمثل الفارق الحاسم له.
أما أمي.. رغم ما تحاول أن تأده من حزنٍ في مقلتيها.. بيد أنني قرأت في شرودها الذي زارها مؤخراً انشغالها على أبي، وقلقها عليه.


رويداً، تباعدت مكالمات أبي، حتى لم نعد ننتظرها كالسابق، ثم ما عادت أمي تستند في أمورنا على مشورته أو نصيحة يلهمها إياها في شؤوننا الخاصة. لم يعد هناك من نسيج تلاحمنا معه سوى ذاك الخيط الباقي الذي يمدنا فيه بالمال الوفير.. حتى انقطع!
عرفنا حينها أن أبي أهم من أن نواريه بين ذكرياتنا ونطمئن لاختفائه المتعمد عن عالمنا الذي صنعه بيديه المتعبتين. بعد محاولات مضنية لمد جسورا واهية من الصلح بينهما، عاد أبي وأمي لفتات حديث أعي تماماً أنه كان لسد تساؤلاتٍ في أعيننا لم يكن أي منهما على أهبة للإجابة عنها.


عاد أبي ليرسل لنا ما كان حقاً يربطنا به الآن، بيد أن ما كان يرسله كان ينقصه بعض المال، ينقصه بركة أبي التي كان يرسلها قبل المال وحبه وحنانه حتى ولو على بعد مئات الكيلومترات.
هل راود أمي شك حقاً استشعرته من برود أصاب سلوك أبي تجاهها ورفضه أن يزورنا في فائض الاجازات المسموحة له؟ أم هي تلك الحاسة التي تمتاز بها النساء في تحسس امرأة أخرى تنازعها عرشها في قلب زوجها.
استوقفتني أمي قبل خروجي من المنزل يومها ولسانها يثقل عليه ما تحاول قوله: يوسف، أشعر أن هناك امرأة أخرى في حياة والدك!
يوسف: أمي.. أي هراء هذا، والدي رجل صالح، لا يفعل ما يغضب به الله، ثم إن كان يرغب في هذا لكان فعله منذ عشرون عاماً يا أمي
أمي: فقط أرح قلبي المتعب واستقصَ الأمر

حين اختليت بنفسي، كان كلام أمي ينير لي الكثير من الأجزاء المظلمة في علاقة ابي بنا في الآونة الأخيرة، انشغاله عنا لأسابيع على غير عادته، ترفعه عن تمضية إجازته معنا، الأموال التي يستقطعها لنفسه بين الحين والآخر. هل حقاً ابي على علاقة بامرأة أخرى غير أمي؟!
حاولت خلسة أن أتوصل إلى أي خيط ليثبت لي أنا أولا حياد أمي عن صدق حدسها هذه المرة، لكن ما تناثر حول أبي من أخبار لم يكن مطمئناً. الشائعات كثيرة، لا تشبه إحداها الأخرى، لكنها جميعاً تدور حول منبت وحيد مؤكد، أن أمي تمتلك حاسة خارقة!

إقرأ ايضا : حكاية علي بابا والأربعين حرامي

في الأيام التالية، عزمت أمي على شد الرحال إلى حيث أبي، كأنها كانت أكيدة أنها ستجد ما يحسم الجدل المعترك داخلها حوله. لكنها أرادت شاهداً للمعركة التي تستحضرها في خيالها المتقد، فأصرت على اصطحابي معها.
لم تكن مفاجأة أن نجد امرأة أخرى في بيت أبي، على الأقل لم تكن كذلك لوالدتي التي كانت شبه أكيدة. كانت كفة الميزان تنحرف بإجحاف نحو سلوى، المرأة الأخرى. تصغر أمي بالكثير من السنوات التي لم تنجح أن تترك سوى آثار النضج الأنثوي على وجهها وجسدها.


جمالها الثائر وشخصيتها القوية يفسر الضعف الذي رأيته في عيون أبي وهو يقف بجانبها منكس الرأس، خائر القوى. دفاعه الوحيد عن نفسه، أنه لم يغضب الله فهي زوجته! أما المفاجئة الحقيقية أن والدي كان قد كبر حقاً، كأن الزمن خط عليه عشرون عاماً مرة واحدة، ثم علمنا في غمرة الجدال المحتدم بيننا أنه قد قام خضع لأكثر من عملية في القلب دون علمنا أو اهتمام قد شحذه مرارا منا.
ورغم سابق معرفة أمي شبه المؤكدة، فقد ثارت ثورتها وتحولت إلى بكاء هستيري فور سماعها بخبر زواجه. ربما كانت لتهدأ قليلاً إذا اكتفى أبي بعلاقة محرمة معها دون ارتباط رسمي ينازع أمي لقبها الأوحد في حياته. لكن زواجه الثاني وإن كان حلالاً، فهو في عرف النساء محرم.


حاول أبي تهدئة العاصفة التي خلفها حضورنا في غير موضعه، كلتا المرأتين تتمسكا بأحقيتها في أبي وبالبقاء وحيدة في بيته. حتى تنازلت سلوى ورحلت مؤقتاً بعد إلحاح أبي المبطن بالوعود لها.
– طلقها الآن يا حمدي وانهي عقدك هنا وعد معنا.. الآن!
كان هذا نهاية نقاش دام ساعات بين والديّ تقاذف فيه كلاهما اتهامات شتى، بين عدم الاهتمام والوحدة والغربة من أبي وبين ما حازلت أمي أن تذكره ما فعلت من أجل أبناءه في غربته وما تحلت به من صبر في غيابه

وبهذا نكون قد إنتهينا من الجزء الثاني لقصة غربة الألم والتي تنتمي الى تصنيف قصص حقيقة

يتبع….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.