Let’s travel together.

قصص حقيقة : قصة غربة الألم

4 298

مرحبا بكم زوار موقعنا قصص وحكايات نتمنى أن تكونوا فى كامل الصحة والعافية ، كما عودناكم نقدم لكم دائما قصص حقيقة جميلة ومفيدة نتعلم منها الدروس والعبر .و من خلال السطور القليلة القادمة سوف نحكي بإيجاز عن قصة غربة الألم الجزء الأول.

بقلم : د. رهاب الفكري

ليس من حقك أن تحكم على الآخرين لأنك لا تجيد الألم، ومن أجل أن تنصب نفسك حاكماً وقاضياً، يجب أن تكتسب حق الحكم بما قاسيت من الألم

قصص حقيقة : قصة غربة الألم

كيف يمكنني أن أنصب نفسي قاضياً عليه حين تكون منصة حكمي من ذهبٍ خالص جمعته من قطرات شقاءه هو؟ كيف أحكم عليه أنا الذي تعلمت القانون من ثمن سنون غربته ووجعه ووحدته؟
اليوم أقف عاجزاً أمام اختيار ألمه أو سعادته، فالثمن باهظ وشاق جداً.. والاختيار لا يعود لي وحدي، ولا أنا من سيدفع الثمن أكمله.. ولا من سيخسر وحده!


لا زلت أذكر ذلك اليوم منذ عشرون عاماً حين كنت أبلغ من العمر ثماني أعوام، حين جاءنا أبي متهلل الأسارير كأن الدنيا اصطفته دوناً عن غيره لتهبه نعيمها.. هل كان حقاً نعيمها أم اختبار كؤود طال جميعنا دون رحمة.
أخبرنا أبي أن الوظيفة التي سعى لها منذ أشهرٍ في إحدى دول الخليج العربي قد ناله شرف الالتحاق بها أخيراً. العائد مغرٍ جداً، قادر على أن ينتشل أسرتنا الصغيرة من فاقة مدقعة تغرقنا في دهاليز الدنيا التي لم نرها حتى الآن إلى حيث يمكننا أن نحيا، نحيا في مروجها وقصورها.


كان أبي معلماً لمادة التاريخ، يعمل بمدرسة حكومية بسيطة في حي الكيت كات بمحافظة الجيزة والذي يستر مئات الأسر البسيطة مثلنا ممن يعيشون تحت غطاء الحاجة في تعفف حجب أعين الباحثين عنهم خارج هذه الدنيا، دنيا الكيت كات.

إقرأ أيضا : حكاية سندريلا

لم يكن مرتب أبي يكفي أسرتنا المكونة من أمي التي لا تعمل وأختي الصغرى يمنى البالغة من العمر ست سنوات، وأنا. فكانت أمي تتنقل بين الجيرة طلباً لدينٍ أو إدراجاً لها في ما كن النسوة يفعلنه من جمعيات لتناقل المال بينهن كل شهر تحايلاً على قهر الزمن.
لكن الحال كان يزداد سوءاً يوماً بعد الآخر، وتفاقمت الأزمات الطاحنة بين والديّ لنقص شهده منزلنا أو حاجة غير ملباة عجز عنها ضيق أبي. حتى لاحت براعم أمل تنبت بتؤدة بين أشجار الزقوم حولنا.


جاء صديق لأبي بإعلان لإحدى الدول العربية تناشد فيه معلمين شتى التخصصات للعمل في بلاد الذهب الأسود، والحياة الوردية!
كانت أمي أول من شجع، وأشد من ابتهج، وأصدق من دعا. هل كانت تعلم أن كل أبواب السماء تتفتح من أجل دعاءها في تلك اللحظة؟
سافر أبي، يومها تخبطت كل المشاعر التي تعرفت عليها منذ مولدي وحتى يومي هذا بينما أفلتت يد أبي يدي في المطار للحاق بركب الذين سيشقون سماءهم حين ضاقت بهم الأرض.


كنت حزيناً جداً لفراق أبي، خائفاً جداً من غدٍ مبهم ليروادني فيه الشك عن اطمئناني في أحضان أمي أنها ستكون بقدر المسؤولية التي ألقاها أبي على كاهلها المثقل، فرحاً جداً لسعادة أمي ولوعود قطعها أبي بألعاب ورفاهيات سيأتي بها إليّ ثمناً لبعده عني.
لم أكن أدرك حينها أن الثمن سيكون أغلى بكثير من بضعة ألعاب ورفاهيات لم تفلح أن تسد فراغا تركه غياب أبي عني أو تواسي ألماً خلفه حاجتي التي تكبر معي لرجل يلملم تبعثر الرجل الصغير بداخلي.


في بضع سنون، وجدت أمي نفسها، تلك السيدة البسيطة والتي بالكاد كان يهمها أمر مأكل أسرتها وملبسهم تحت ظل رجل يهتم لكل تفاصيلهم ويحجب عنهم ما يكدر صفو حياتهم الهادئة، وجدت نفسها أماً وأباً ومعلماً ومربياً وارتفعت بقدراتها من أرض الواقع التي التصقت بها أعواماً لتصبح سقفاً يحمينا من زخات العالم الخارجي التي تقابله معنا لأول مرة.
لكن أمي امرأة قوية، اعتادت مسؤولياتها سريعاً وأتقنت دوراً لم نعرف يوماً أنها قادرة على الالتحام بشخصيتها الجديدة حد التحول إلى رجل البيت الروحي عوضاً عن أبي.


سنواتٍ مرت، لم نعرف بها معنى الأب الحقيقي سوى في بضعة أيام في العام يقضيها أبي بيننا كإجازة له من عمله بالبلاد الأخرى. ولم يكن بحاجة حينها أن يمارس دور الناصح والموجه والمربي، فبضعة أيام لن تشبع جوعنا لدوره بقدر ما ستبتعد بنا عنه إن حاول أن يقسو علينا في محاولة الإصلاح تلك.
بعد خمس سنوات من سفر أبي، واجهت منطقة الخليج العربي بأكملها تحدٍ أمني جُللٍ متمثل في حرب العراق، ولم يتمكن أبي من زيارتنا في ذلك العام، فقررت أمي الذهاب إليه في زيارة عاجلة للاطمئنان عليه والتخفيف من وطأة ما مر به من أحداث.


بعد عام كنا نحتفل بمولد أخي الأصغر ياسين في غياب أبي الذي لم يره حتى أتم عامه الأول. لم تكن تلك بالنسبة لياسين مشكلته الوحيدة، لم يكن غياب أبي عنه كغيابه عني وعن يمنى، قد ترك فينا من قبل بعضاً منه في ذكرى نتلمسها وقت الاشتياق.
أما ياسين فمن أين يأتي اشتياقه لرجل لا يعرفه سوى ثلاثون يوماً في العام كله، هو بالنسبة له زائر ثقيل الظل يزاحم راحة يقصدها في بيت لم يشهد كيف بناه هذا الرجل من سنوات غربته.


انتقلنا بعد عدة سنوات إلى ذلك الحي الراقي الذي يتفاخر قاطنيه بذكر اسمه على سبيل التباهي بعلو شأنهم في مجتمع لم يعد يهتم سوى بهذه المظاهر الخداعة في الآونة الأخيرة. كان بيتنا واسعاً براقاً، اقتنت أمي كل قطعة فيه بعناية شديدة.
بل حرصت فور انتقالنا أن تكرم بعزيمتها أهل حيّنا القديم وأقاربها وأبي، هل كان وقتها حقاً كرماً أم أرادت أن تعلن عن انتقالها بحياتها إلى مرحلة جديدة لا مكان للماضي الأعرج بها بكل ممثليه وحاملي رايته.
كبرت أنا والتحقت بكلية الحقوق شعبة اللغة الانجليزية، وعدني أبي أن يفتتح لي مكتب محاماة كبير فور انتهاءي من الدراسة، ثم بعد ذلك بعامين التحقت يمنى بكلية الهندسة وكانت محلل فخر أمي وهو أبي.


أما ياسين فكان يتعثر في دراسته رغم انتقاله إلى مدراس دولية باهظة التكاليف تتماشى مع الحي الراقي والسكن الجديد. ورغم ان أمي لم تدخر وسعاً في محاولات إصلاحه التي أصرت أن تعلن فشل أمي في نهاية المطاف في تربيته، إلا أن أبي كان دائم اللوم على تدليلها الزائد له والذي أودى بخُلقه إلى هاوية الانحراف المستتر.
لم نعد نحتسب سوى سنوات عمرنا أنا واخوتي، تناسينا ذلك المحرك الخفي الذي يمدنا بالوقود من خلف الستار لنحيا هذه الحياة التي لم نكن نحلم بها في أبهى أحلامنا زهوة في الماضي. تناسسينا مع انشغال كل منا بدنياه ودراسته أبي، الصامت أبداً، الغائب جهراً، والحاضر سراً في قلبي أينما رحلت.


بعد تخرجي من الجامعة والتحاقي بأحد المكاتب المحترفة في مجال المحاماة للتدريب، وجه أبي دعوة لأمي لزيارته والإقامة معه في غربته فترة زمنية تتجاوز الاجازات الاعتيادية المتقطعة، فقد رأى أن الأولاد قد تخطوا مرحلة القلق الدائم وأوشكوا أن تستند خطاهم إلى أرض صلبة لا حاجة فيها لرقابة مستمرة من قبل والدتي. أخبرها أنه متعب ولم يعد كما كان من قبل، أحنى ظهره المرض وهدته الغربة.
لم أفهم حينها حقاً سبب مقنع تسوقه أمي حجة لرفضها عرض أبي سوى خوفها على ياسين، رغم وعدي إياها بجعله قصد اهتمامي وغاية مراقبتي طيلة الوقت.


ربما كان السبب الذي أبت أمي الإفصاح عنه وراء ذلك اندماجها حد الذوبان في مجتمعها الذي صنعته بنفسها ولنفسها من سيدات يشبهنها كثيراً وأماكن ترفيه من نوادٍ وغيرها ترتادها في وقتها المستقطع من رعايتنا.
أمي تغيرت كثيراً، وكذلك نحن، ربما لا نشعر حقاً حين نتغير أننا نفعل حتى نواجه شيئاً من انفسنا القديمة. هل كان أبي على ما فارقنا عليه منذ عشرون عاماً؟ هل فشل أبي أن يجاري ما وجدنا عليه من حالٍ لم يعد يروقه فكان يفر من مواجهتنا باستمرار غربته؟

وبهذا نكون قد إنتهينا من الجزء الأول لقصة غربة الألم والتي تنتمي الى تصنيف قصص حقيقة

يتبع

4 تعليقات
  1. […] قد يهمك أيضا : قصة غربة الألم […]

  2. […] قد يهمك أيضا : قصة غربة الألم […]

  3. […] قد يهمك أيضا : قصة غربة الألم […]

  4. […] قد يهمك أيضا : قصة غربة الألم […]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.